الشيخ عبد الغني النابلسي

215

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ « 1 » الآية ، وكان القياس أن يبادر بإجابة الرسول إلى ما دعاه إليه من الخروج من السجن ، فتعجّب نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم من حاله ذلك ، وكذلك موسى عليه السلام دعا اللّه تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر حرصا منه عليه السلام على الدفن فيها ، ومع ذلك فإنّه كان فيها ودفن فيها ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ، لو أنّي عنده ، وفي الرواية الأخرى ثمّ ، أي هناك ، يعني في الأرض التي دفن فيها ، لأريتكم قبره ، حتى كنتم تتعجّبون من حالته ، يدفن في الأرض المقدّسة ، ويقول رب أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر ، ثمّ إنّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يقدّر اللّه تعالى فتح بيت المقدس له ، ولا فتح البلاد الشّامية على يده في حياته صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى كان يذهب بأصحابه إلى الأرض التي دفن فيها موسى عليه السلام فيريهم قبره كما أخبرهم ، على جنب الطريق عند الكثيب الأحمر ، وإنّما فتحت البلاد في زمن خلفائه الكرام ، ولمّا كان الأمر كذلك ، سخّر اللّه الملائكة عليهم السلام ، يتطوّرون في أطوار شتّى ، ينزلون على قبر موسى عليه السّلام ، فتظهر أشباحهم في القبّة من داخلها ، حتى يدلّوا هذه الأمّة على قبر موسى عليه السلام ، وأنّه في هذا الموضع تصديقا لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فيما قاله من التعجّب المذكور ، وهذا أقرب ما يقال ، عند أهل الإنصاف من الرجال ، وهو من فتوح الوقت وتجلّيات ذي الجلال ، وكون ذلك لم يظهر إلا بعد بنيان القبّة عليه ، فقد يكون ظهر ذلك لبعض الناس ، قبل بنيان القبّة ، فأوجب تحقيق أنّ ذلك قبره ، وكان مقتضيا لبناء القبّة عليه ، ثم تحقّق ذلك بظهور الأشباح في القبة ، وانكشف للعام والخاص ، واللّه بكل شيء عليم ، وقد أشرنا إلى ذلك بهذه الأبيات التي نظمناها على البديهة في هذه المعاني الأبيّات ، حيث قلنا : مقام شريف فيه للحقّ مظهر * ملائكة اللّه المهيمن تظهر / وتشهد منها الناس أشباحها التي * تضاهي بها الأجسام منّا وتبهر فمن يتراءها بداخل قبّة * لموسى يراها ، وهي في اللطف جوهر

--> ( 1 ) سورة يوسف / 50 .